أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

6

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

فإن الملك والدين توأمان . فالدين أسّ ، والملك حارس ، وما لا حارس له فضائع ، وما لا أس له فمهدوم . والسلطان ظل الله تعالى في أرضه « 1 » ، وخليفته على خلقه ، وأمينه على رعاية حقه . به تتم السياسة ، وعليه تستقيم الخاصة والعامة ، وبهيبته ترتفع الحوادث والفتن ، وبإيالته « 2 » تنحسم المخاوف والمحن . ولولاه لا نحلّ النظام ، وتساوى الخاص والعام ، وشمل الهرج والمرج ، وعمّ الاضطراب والهيج ، واشرأبّت النفوس إلى ما في طبائعها « 3 » من التّباغي والتّنابز « 4 » ، والتّفاضل والتّمايز « 5 » ، حتى يشغلهم ذلك عما يصلحهم معاشا ومعادا ، ويقيم أودهم يوما وغدا ، وإلى هذا المعنى يلتفت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : « ما يزع « 6 » السلطان ، أكثر مما يزع القرآن » ، إذ كان أكثر الناس [ 4 أ ] يرون ظاهر السياسات فيردعهم خوف المعاقبة ، وحذر « 7 » المؤاخذة عن تنكّب الجدد « 8 » ، والعدول عن السّمت « 9 » والمقتصد . ومن لنا بمن يستقرىء آي كتاب الله تعالى بفكره ، ويتدبرها بعقله ، ويجعل لنفسه منها زماما « 10 » يهديه إلى الأصلح ، ويثنيه عن الأقبح ، فيكون مؤدب نفسه ومقوّم ذاته ، ورائض أخلاقه وعاداته . ومعنى حديث عمر رضي الله عنه منتزع من قوله تعالى : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا

--> ( 1 ) انظر : القضاعي - مسند الشهاب ، ج 1 ، ص 201 ؛ البيهقي - شعب الإيمان ، ج 6 ، ص 17 ؛ الهيثمي - مجمع الزوائد ، ج 5 ، ص 196 . ( 2 ) أي بسياسته . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 34 ( أول ) . ( 3 ) وردت في الأصل : واشرأبّت النفوس الزمان في طابعها ، والتصحيح من ب . ( 4 ) وردت في ب : التباين . ( 5 ) وردت في ب ، وفي د : التماين وهو الكذب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 13 ، ص 425 ( مين ) . ( 6 ) أي يكفّ . ابن منظور - لسان العرب ، مج 8 ، ص 390 ( وزع ) ، وقد أورد ابن منظور هذا النص : « من يزع السلطان أكثر ممن يزع القرآن » . وينسب هذا القول إلى عثمان بن عفان . انظر : الصفدي - الشعور بالعور ، ص 121 . ( 7 ) وردت في ب : حذار . ( 8 ) الطريق المستقيم . ابن منظور - لسان العرب ، مج 3 ، ص 108 ( جدد ) . ( 9 ) الطريق . ابن منظور - لسان العرب ، مج 2 ، ص 46 ( سمت ) . ( 10 ) الزمام : مقود الناقة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 272 ( زمم ) .